السيد كمال الحيدري
157
شرح بداية الحكمة
المقدمة الثانية إنّ الإمكان هنا ليس هو الإمكان الماهوي الذي تتساوى النسبة فيه إلى الوجود والعدم ؛ لأنّ الإمكان هنا يتّصف بالشدة والضعف والقرب والبعد ، فيكون إمكان وجوده أقرب أو أبعد ، أشد أو أضعف . ولا شك أن النطفة تتكوّن من الغذاء ، ولكن إمكان أن يوجد الإنسان من النطفة أقرب من إمكان وجوده من الغذاء ، وإمكان أن يوجد الإنسان من الغذاء أبعد من إمكان وجوده من النطفة . وهذا الإمكان يتصف بالقرب والبعد والشدة والضعف قبل الفعلية الخاصة . وحيث إنّ الشدّة والضعف والقرب والبعد من صفات الموجودات ، فيكون الإمكان هنا غير الإمكان الذي تستوي فيه النسبة إلى الوجود والعدم ، ففي الإمكان الماهوي لا معنى للشدة والضعف ولا القرب والبعد . وقد يقال إنّ هذا البرهان غير تام ؛ لأن الإمكان إن كان هو الإمكان الاستعدادي فلا يقابله الوجوب والامتناع ، وإن كان هو الإمكان الماهوي فلا يكون متّصفاً بالشدة والضعف . فلا يمكن أن يكون الإمكان استعدادياً يتّصف بالشدة والضعف ومع ذلك يقابله الوجوب والامتناع ؛ لأن هذا جمع بين الإمكان الماهوي والإمكان الاستعدادي ، والحال أنه تقدّم أنه لا جامع مشترك بين معناهما ، فلا اشتراك بينهما إلَّا في اللفظ ، والماهوي هو تساوي النسبة ، والاستعدادي هو صفة لأمر موجود . وعليه لا معنى لأن يكون الإمكان في المقدمة الأولى هو الإمكان الماهوي ، والإمكان في المقدمة الثانية هو الإمكان الاستعدادي الذي يتّصف بالشدة والضعف ولا يكون في مقابل الوجوب والامتناع .